السيد نعمة الله الجزائري
269
نور الأنوار في شرح الصحيفة السجادية
دعاؤه عليه السلام في الرضا إذا نظر إلى أصحاب الدنيا مأخوذة من الدنو وهو القرب لقربها وبعد الآخرة عنها وهو المروي عن علي عليه السّلام ، والدنيا عبارة عما يبعد عن اللّه تعالى كصلاة الرياء ونحوها ، لا أنها عبارة عن الأموال والأولاد والأعوان والملك والسلطنة فإنها قد تكون عين الآخرة ، ومنها تحصيلها وإن بعدت عن اللّه تعالى فهي دنيا . وقال أمير المؤمنين عليه السّلام وقد سمع رجلا يذم الدنيا فقال أيها الذام للدنيا المنخدع بأباطيلها المغتر بغرورها بم تذمها أنت المتجرم عليها أم هي المتجرمة عليك متى استهوتك أم متى غرتك أبمصارع آباءك من البلى أم بمضاجع أمهاتك تحت الثرى كم عللت بكفيك ومرضت بيديك تبغي لهم الشفاء وتستوصف لهم الأطباء لم ينفع أحدهم إشفاقك ولم تسعف فيه بطلبتك ولم تدفع عنه بقوتك قد مثلت لك به الدنيا نفسك وبمصرعه مصرعك . إن الدنيا دار صدق لمن صدقها ودار عافية لمن فهم عنها ودار غنى لمن تزود منها ودار موعظة لمن اتعظ بها . مسجد أحباء اللّه ومصلى ملائكة اللّه ومهبط وحي اللّه ومتجر أولياء اللّه اكتسبوا فيها الرحمة وربحوا فيها الجنة فمن ذا يذمها وقد آذنت ببينها ونادت بفراقها ونعت نفسها وأهلها فمثلت لهم ببلائها البلاء وشوقتهم بسرورها إلى السرور وراحت بعافية وابتكرت بفجيعة ترغيبا وترهيبا وتخويفا وتحذيرا فذمها رجال غداة الندامة وحمدها آخرون يوم القيامة ذكرتهم الدنيا فذكروا وحدثتهم فصدقوا ووعظتهم فاتعظوا ، وقد ذكرنا في هذا المقام تحقيقات شريفة في شرحنا الكبير على هذه الصحيفة . « رضى بحكم اللّه » أي لأجل الرضا أو لأجل تحصيله أو على الرضا أو أن رضاي بحكمه هو الذي حكم علي بالرضا في القضاء فلذلك رضيت . « وأخذ على جميع خلقه بالفضل » أي أخذ عليهم وكلفهم بأن يتفضل بعضهم على بعض أو أنه أخذ عليهم وجازاهم بالتفضل لا بالاستحقاق ، وفي ش بالصاد المهملة وهو الحق من القول الفاصل بين الحق والباطل .